قراءة في كتاب: الشركة التي غيرت العالم



قراءة في كتاب: الشركة التي غيرت العالم 

ترجمة: كمال المصري
عدد الصفحات: 327
دار النشر: مكتبة الشروق الدولية 2009 م
تقديم: عبد الصمد الحضري
أظن أن القليل منكم من سبق له أن سمع بـ”شركة الهند الشرقية البريطانية” التي تشكل إحدى الطَّبعات الأولى للشركات العملاقة العابرة للقارات الجاثمة بسلطانها على الدول والشعوب. إنها شركة بريطانية يُجْلي تاريخها الدورَ الذي لعبته التجارة في استعمار العالم وقلب موازين القوة والغنى بين الشرق والغرب.
امتد تواجد شركة الهند الشرقية في الهند حوالي ثلاثة قرون منذ سنة 1600 م، ووصل نفوذها السياسي إلى أن طلب أحد مدرائها يوما من البرلمان البريطاني دعما فوريا للشركة عام 1784 وأن التأخر في ذلك سيسبب “انهيارا ماليا في جميع أوربا”.
فماذا كانت تفعل شركة بريطانية في الهند حتى تتسبب أزمة في ماليتها في أزمةٍ مالية تشمل أوروبا جمعاء؟
بدأت الشركة عملها بالمبادلات التجارية بين بريطانيا ودول شرق آسيا، وامتلكت امتيازات عدة أبرزها احتكار تجارة بريطانيا مع الشرق، وامتلكت أيضا أسطولا ضخما خاصا بها وكذا حقا في تكوين جيوش مسلحة وفي شن الحروب لتمكين الشركة من كسب الأسواق الآسيوية والعمل بها. تحولت المبادلات التجارية إلى استعمال للقوة من أجل احتكار إنتاج وتوزيع الأقمشة والملح والتبغ والأخشاب والتوابل والقهوة، واغتُصبت الأراضي واستُعبد السكان الأصليون مما أدى إلى زحف المجاعات والأوبئة على الهند بأكملها (حدوث 34 مجاعة في غضون 120 سنة فقط)، وقد لاحظ جواهر لا نهرو بعد قرنين من جرائم الشركة أن المناطق الهندية التي كانت أكثر خضوعا للاستنزاف البريطاني لا زالت هي المناطق الأكثر تخلفا وفقرا في الهند. وكانت مجاعة 1877 الأسوء حيث راح ضحيتها 10 ملايين نسمة بسبب تغول الشركة وإصرارها على جمع الضرائب من السكان واحتكار بيع الحبوب ورفع أسعارها واستمرار تصدير المنتجات الغذائية دون أخذ الجفاف بعين الاعتبار.
استنزفت الشركة بشكل متواصل ثروات الهند وسلعه التي يجب أن “تشترى أو تقايض أو يتم الاستيلاء عليها أو تحصيلها بأي طريقة أخرى”، وذلك وفق تقليد إنجليزي قديم: التجارة عند الضرورة والاستنزاف عند الإمكان.
وتعتبر معركة “بلاسي” أحد أهم المعارك التي خاضها جيش الشركة والتي استطاعت بموجبها أن تستولي على ثروات إقليم البنغال وسلطة تحصيل ضرائب السكان فيه لصالح الإمبراطويرية المغولية الواهنة، ويقول أحد القادة العسكريين المشاركين في تلك المعركة: “لقد مكنت بلاسي من السيطرة على تجارة الهند ككل لمدة ثلاث سنوات دون إرسال أوقية واحدة من سبائك الفضة إلى الهند” أي تحقيق تجارة في اتجاه واحد تأخذ البضائع دون أن تعطي مقابلها أي ثمن.
وقد اعترف أحد ممثلي الشركة في الهند قائلا: “هذه البلاد التي كانت مزدهرة في ظل حكم أكثر الأنظمة استبدادية صارت على وشك الدمار عندما صار للإنجليز نصيب كبير في إدارتها”.
في القرن 18 كانت الهند تنتج حوالي ربع الإنتاج الصناعي في العالم بينما كانت بريطانيا تنتج فقط 1,8 بالمائة فقط…أما إقليم البنغال الذي كان موطئ قدم الشركة في الهند فإنه كان أغنى مقاطعاتها وكان يسمى جنة الشعوب.
وعند انتهاء الشركة من عملها في الهند في أواخر القرن 19، فإن الآية انقلبت وأضحى اقتصاد أوروبا يساوي ضعف اقتصاد الهند والصين معا.
مثلت الشركة مؤسسة لا يمكن الاستغناء عنها بفعل القروض التي كانت تمنحها للتاج البريطاني، وقد تمكنت الشركة في إحدى مراحلها من الضغط على إمبراطور المغول كي يمنحها سلطة جمع الضرائب في إقليم البنغال، هذه الضرائب هي التي أنقذت بريطانيا من الإفلاس بعد حرب السنوات السبع.
ومن أجل تأمين الموارد المالية اللازمة لواردات بريطانيا من الشاي الصيني كانت مساحات شاسعة من إقليم البنغال تزرع بالأفيون من أجل تصديره للصين من طرف الشركة، وقد شنت الشركة حربين من أجل الاستيلاء على هونغ كونغ وتشريع تجارة الأفيون المميتة التي قتلت الملايين في الصين بفعل الإدمان.
إن شركة الهند الشرقية هي أحد العوامل الرئيسية التي تسببت في ذلك التحول الكبير في التطور العالمي الذي كان يمثل بداية مولد العصر الحديث. عندما انتهت الشركة، كانت قد غيرت مجرى التاريخ الاقتصادي، وعكست اتجاه تدفق الثروات من الغرب إلى الشرق الذي استمر لقرون.
أضف إلى ذلك أن هناك جدلا كبيرا حول غزو الشركة للهند وعلاقة ذلك بتمويل الثورة الصناعية، ويقول بروكس آدمز: “أنه لولا الموارد التي توفرت عن طريق استنزاف الهند لما عملت ماكينات الغزل ولا المحرك البخاري الذي اخترعه واط. وأنه لم يحدث منذ بدء الخليقة أن حقق أي نوع من الاستثمار الأرباحَ التي حصدتها الشركة عن طريق نهب موارد الهند”.
وليس هناك من شك أن الشركة ما كانت لتقوم بكل ذلك النهب والجرائم لولا قابلية الاستعمار التي كان يعيشها المجتمع الهندي ولولا الانقسام والمصالح الشخصية عند حكام الهند، وقد عملت الشركة على عنصر مهم وهو إفساد عملية صنع القرار وتقسيم المجتمع. يقول جمال الدين الأفغاني: “لو أن جميع الهنود يبصقون معا لأغرقوا الجزر البريطانية في بحر من اللعاب”.
قال المؤرخ نيلز ستينجارد: “الصادر الرئيسي من أوربا في فترة ما قبل الصناعة الأوروبية إلى بقية العالم كان هو العنف”، وشركة الهند الشرقية ليست سوى مثال لشركات أخرى أوربية لتجارة العبيد الأفارقة و نهب دول شرق آسيا قاطبة. ربما من الجيد أن نفكر في هذه الأشياء وقلوبنا مفتونة بحضارة أنوار أوربا التي نشرت الظلمات في بقاع الأرض قبل أن تشعل أضواء أنوارها

ليست هناك تعليقات